عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
55
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
ولما مات قال بعض العُلَمَاء : معشر أهل الهوى ، كلوا الدُّنْيَا بالدين ، فقد مات سفيان ، يعني ؛ ما بقي بعده أحد يستحيا منه . وأما الإمام أحمد فكان أشد منهما تقشفًا في عيشه وأكثر صبرًا على خشونة العيش للقلة ، وكانت معيشته من حوانيت له ورثها من أبيه ، ويأخذ أجرها في الشهر دون عشرين درهمًا ، ومات لم يخلف إلا قطعًا في خرقة له ، كان وزنها دون نصف درهم ، وترك عليه دينًا قضي عنه من أجرة حوانيته مع كثرة ما كان يرد عليه من الخلفاء من الجوائز والصلات . وكان يحيى بن أبي كثير من العُلَمَاء الربانيين المتوسعين في العِلْم ، وكان يقال : إنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِثْلُهُ ، وَكَانَ حسن الثياب ، حسن الهيئة ، فلما مات خلف ثلاثين درهمًا كفنوه بها رحمه الله . وكان محمد بن أسلم الطوسي من العُلَمَاء الربانيين الزهاد ، فمات ولم يخلف سوى كساءه ولبده ( 1 ) ، فوضعوهما على نعشه وإناء للوضوء تصدقوا به . فكان النساء على السطوح يقلن في جنازته : هَذَا العَالِمُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَهَذَا مِيرَاثُهُ الَّذِي عَلَى جَنَازَتِهِ ، لَيْسَ مِثْلَ عُلَمَائِنَا هَؤُلاَءِ عَبِيدُ بُطُونِهِمْ ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ لِلْعِلْمِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا فَيَشْتَرِي الضّيَاعَ وَيَسْتَفِيدُ المَالَ . وقال العباس بن مرثد : سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : صَارَ إِلَى الأَوْزَاعِي أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنَ السُّلْطَانِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ، فَلَمَّا مَاتَ خَلَّفَ سَبْعَةَ دَنَانِيرَ بَقِيَتْ بَقِيَّة ، وَمَا كَانَ لَهُ أَرْضٌ وَلاَ دَارٌ . قال العباس : نَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ أَخْرَجَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالفُقَرَاءِ . وقد وصف الله سبحانه في كتابه العُلَمَاء بأوصاف منها : الخشية والخشوع والبكاء ، كما سبق ذكره .
--> ( 1 ) اللبد : من البُسُط ، " اللسان " مادة : ( لبد ) .